الجمعة، يونيو 11، 2010

خطبة عن صور تعظيم الله

تعظيم الله جل جلاله
الحمد لله رب العالمين لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين وقيوم السموات والأرضين ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قربه، الذي إذا أطيع شكر وإذا عصي تاب وغفر، وإذا دعي أجاب وإذا عومل أثاب وسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضي نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، وسبحان من سبحت له السموات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء0
أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، يملأ أرجاء السموات والأرضين إلى يوم الدين، وأصلي وأسلم على من أرسله الله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا، فالله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا الله أكبر، كلمة تجلجل في الأجواء وتصدح في الفضاء، ينادى بها لكل صلاة، وتستفتح بها كل صلاة، وتزلزل بها عروش الجبابرة والطغاة0 الله أكبر، كلمة لو عقلناها لتحركت منا المشاعر واهتز الوجدان0
عباد الله : إن تعظيم الله عز وجل من أجل العبادات القلبية, وأهم أعمال القلوب التي يتعين ترقيقها وتزكية النفوس بها، لا سيما وأنه ظهر في زماننا ما يخالف تعظيم الله تعالى من الاستخفاف والاستهزاء بشعائر الله، والتطاول على الثوابت, والتسفيه والازدراء لدين الله، مع ما أصاب الأمة من وهنٍ وخورٍ وهزيمةٍ نفسية، قال تعالى: مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13].
إن الإيمان بالله عباد الله، مبني على التعظيم والإجلال له عز وجل، قال تعالى: تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم:90]، قال المفسرون: "يتشققن من عظمة الله عز وجل".
في الصحيحين عن ابن مسعود (رضي الله عنه ) قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله (عليه الصلاة والسلام ) فقال: يا محمد، إنا نجد أنّ الله عز وجل يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله (عليه الصلاة والسلام ) حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)
سبحان الله، هذا الكون بما فيه من عظمة وإبهار، يكون يومَ القيامة على أصابع القويّ القهّار .
فسبحان من أتته السماء والأرض طائعة، وتطامنت الجبال لعظمته خاشعة، ووكفت العيون عند ذكره دامعة، عبادته شرف، والذلّ له عزّة، والافتقار إليه غنى، والتمسْكن له قوة.
ربنا العظيم كل يوم هو في شأن، يغفر ذنباً، ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين، يحيِ ميتاً، ويميت حياً، ويجيب داعياً، ويشفي مريضاً، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، سبحانه كل يوم هو في شأن.
سمع نداء يونس في الظلمات، واستجاب لزكريا فوهبه على الكبر يحيى سيداً ونبياً، وأزال الكرب عن أيوب، وألان الحديد لداود، وسخر الريح لسليمان، وفلق البحر لموسى، ونجى هوداً وأهلك قومه، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وشق القمر لمحمد، عليهم الصلاة والسلام .
ربنا العظيم أحاط علمه بالكائنات، واطّلع على النيات، عالمٌ بنهايات الأمور، (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)، يعلم ما في الضمير، ولا يغيب عنه الفتيل والقطمير، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، يبدئ ويعيد، وينشئ ويبيد، وهو فعّال لما يريد، لم يخلق الخلق سُدى، ولم يتخذ من المضلين عضدًا.
يدخل موسى وهارون على رأس الكفر والطغيان فيهابا ويخافا، فيناديهما ربهما: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).. ويلتجأ رسول الله (عليه الصلاة والسلام ) ومعه الصديق إلى الغار ويحيط بهما الكفار فيقول أبو بكر: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا؟! فيقول له: (لا تحزن، إن الله معنا) .
فسبحان من علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، الورقة تسقط بعلمه، والهمسة تُنبَس بعلمه، والكلمة تُقال بعلمه، والنية تُعقَد بعلمه، والقطرة لا تنزل إلا بعلمه.. (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) .. (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
النجوى عنده جهر، والسرّ عنده علانية، (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ)
هذه بعضُ مظاهر عظمتِه سبحانه مما تتحمّله عقولنا، وإلاّ فعظمة سبحانه أجلّ من أن يحيطَ بها عقل، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
فسبحانك يا ربنا ما أعظمك، وعلى من عصاك ما أحلمك، سبحانك ما عرفناك حق معرفتك، وما قدرناك حق قدرك، وما عظّمناك حق عظمتك.
- عباد الله، ما هي آثار عظمة الله في نفوسنا؟ هل عظمنا الله حقاً؟ أم أصبحت الدنيا أعظم في نفوسنا من ربنا؟
إن الكون كله يسبح لربه ويسجد له، ويخضع لعظمته، كما قال تعالى: (تَكَادُ السَّمَـاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ)، قال المفسرون: يتشقّقن مِن عظمةِ الله عز وجل.
إنّ الإيمان بالله مبنيّ على التعظيم والإجلال، وقد ذمّ الله تعالى مَن لم يعظِّمه حقَّ عظمتِه فقال: (مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ) أي ما لكم لا تعظِّمون الله حقَّ عظمته.
لقد ضعف تعظيم الله في نفوس بعضِ المسلمين اليومَ، وعظُمت في نفوسهم قوى الأرض البشريّة، حين رأوا مُنجزاتِ الحضارة المادّية ونتاجها، من العلوم الدنيوية، إلى القدرات العسكرية، من الصواريخ العابِرة للقارّات، إلى الأسلحة النووية، إلى حرب النّجوم والفضاء، حتى أصيب بعض الناس بالخور والانبهار، وتسرّب إلى نفوسهم الوهن والانكسار.. والهزيمة النفسيّة من أنكى الهزائم وأشدِّها خطرًا على الأمة، كما قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
وبسبب عدم تعظيم الله، كثر في زماننا التهاون في الواجبات، والاستخفاف بالشعائر، والاستهزاءِ بالأحكام، والتطاولِ على الثوابت. فإلى الله نشكو حال هذا الجيل، الذي صدّه الانبهار عن السبيل، وعلاه الغرور والتضليل، وأسكَرَه التّرف والتطبيل، إلا ما رحم الله.
إن هذا الجيل بحاجةٍ ماسّة إلى أن يعرف ربّه حقًّا، ويعظمه صدقًا، بتدبّر أسماء الله وصفاته، والتأمّلِ في آياته، والتفكّر في عظاته، فمَن استقرت عظمة الله في قلبه لم يخف غير الله، ولم يرج إلا الله، ولم يتحاكم إلاّ له، ولم يذلّ إلا لعظمتِه، ولم يحبّ سواه، كما قال مولاه: (والذين آمنوا أشد حباً لله.
أقول ما قد سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.
*******
الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، أحمده - سبحانه - على هدايته وتوفيقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا رب لنا سواه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم إلى يوم الدين.
عباد الله.. إنّ تعظيمَ الله عز وجل مِن أجلّ العبادات القلبية التي يتعيّن ترسيخها، و صمّام أمان لها، ووازع خيرٍ ومانع شرٍ إذا غُرس في قلب العبد، إن تعظيم الله داعٍ إلى مراقبة الله، والخوف منه، والعمل بمرضاته، والبعد عن معصيته.
إنه ما جاهر مجاهر بمعصية إلا لما ضعف تعظيم الله في قلبه وقلّ خوفه منه.. وما ترك الصلاة ولا تخلّف عنها متخلّف إلا لضعف تعظيمه لله وخوفه من الله.. وما غشّ غاشٌّ أخاه المسلم، ولا اعتدى على حقّه، ولا خان خائن، ولا زنى زانٍ، ولا سرق سارق، إلا لما ضعف تعظيم الله في نفسه.. وما خرجت امرأة متبرجة سافرة إلا لقلة تعظيم الله الذي أمرها بالستر والحجاب والبعد عن الرجال.. روى ابن ماجه وصححه الألباني عن ثَوْبَانَ (رضي الله عنه ) عَنْ النَّبِيِّ (عليه الصلاة والسلام ) قَالَ: "لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي، يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا".
اللهم سلم سلم، إنهم لم يراقبوا الله ولم يعظموه في خلواتهم، ولم يقدروه حق قدره، بل جعلوه سبحانه أهون الناظرين إليهم، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
ووالله، لو علم العباد ما لله من العظمة ما عصوه، ولو علم المحبون ما لله من الجمال والكمال ما أحبُوا غيره، ولو عرِف الفقراء غنى الربِ سبحانه ما رجوا سواه، فسبحانه جلّ في علاه هو سلوت الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الخائفين.
عباد الله / وإن من الوسائل المعينة على تعظيم الله في النفوس كثيرة منها: -
1 - أعظمها: قراءة القرآن وتدبر معانيه.
اقرأ كتاب الله وتأمل فيه؛ تجد فيه صفات الرب سبحانه؛ ملك له الملك كله، أزمة الأمر كلها بيده، لا تخفى عليه خافية في أقطار مملكته، عالم بما في نفوس عبيده، مطلع على أسرارهم وعلانيتهم، يثني على نفسه، ويتعرف إلى عباده بأسمائه وصفاته، ويتحبب إليهم بنعمه، ويحذرهم من نقمه.
2 - ومن الوسائل كذلك طلب العلم النافع، فإنه على قدر العلم والمعرفةِ بالرب، يكون تعظيمه وإجلاله في القلب قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).
3 - ومن الوسائل ذكر الله تعالى، والمحافظة على الأذكار اليومية والباقياتِ الصالحات، والإكثارُ منها، فإن الذكر باللسان يورث تعظيم المذكور بالقلب، ولاسيما مع تدبر القلب ومواطأتِه للسان.
4/ ومن الوسائل كذلك: التأمل في آيات الله تعالى في هذا الكون، في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد).
هذا الكون الفسيح كتاب مفتوح ينطق بعظمة خالقه جل جلاله، لا تملك أمامه إلا أن تطأطئ رأسك، وتخضع قلبك، وتقول سبحان الله العظيم، رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم.
وفي هذا الكون من الآيات، والعجائب والمعجزات، ما تضيق عنه العبارات.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية فقد أمركم الله بذلك، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد  وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم أعز الإِسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم عليك بمن يريد زعزعة أمننا ومن والاهم اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك اللهم وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق