الأحد، مايو 23، 2010

خطبة عن السحر

أما بعد: فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا المعاصي فهي طريق الهلاك، فالغنا بريد الزّنا، والخمرُ أمُّ الخبائث، والكذب سبيل النفاق، وحبُّ الدنيا رأس كلِّ خطيئة.
أيّها المسلمون، داءٌ من أدواءِ الأمَمِ قَديمًا، ومُشكلةٌ من مُشكلات العصرِ حديثًا. إنه هو السّحر والسحرة والكِهانة والكهنة والدجل والشّعوذة.
عباد الله : الساحر شيطانٌ من شياطين الإنس، لا يحب الخير للناس، نزِعَت الرأفةُ والرحمةُ من قلبه ، همُّه المال وإيذاءُ الناس، لا يتوانى عن الكذب ولا يتورَّع عن الخداع والتلوّن.
الساحِر لا يكون ساحراً إلا بعد أن يكفر ويتقرب إلى الشياطين من الجن مما لم يأذَن به الله، يقول الإمام الذهبي رحمه الله: "ترى خلقًا كثيرًا من الضُّلال يدخلون في السّحر ويظنّون أنه حرام فقط، وما يشعرون أنه كفر". وفي الحديث: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدِّق بالسحر)).
لذا قرَّر أهل العلم رحمهم الله أنَّ تعلّم السحر محرمٌ، بل هو كفرٌ إذا كان وسيلتُه الإشراكَ بالجن والشياطين، يقول الإمام النوويّ رحمه الله: "وعمل السحر حرام، وهو من الكبائرِ بالإجماع، وقد عدَّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلَّم من السبع الموبقات، وتعلُّمُه وتعليمه حرام، فإن تضمَّن ما يقتضِي الكفرَ كفر"، وقال أبو بكر الجصّاص رحمه الله: "اتفق السلف على وجوبِ قتل الساحر، ونصَّ بعضهم على كفره لقوله : ((من أتى كاهنًا أو عرّافًا أو ساحرًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ))".
عباد الله، عمَل السحر بغيٌ ومكرٌ وخبثٌ وظُلم، والساحر يظلِم نفسَه ويغضِب ربَّه ويخسر دينَه ويوقع نفسه في سخط الله ومقته، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 102]، وفي الحديث المتفق عليه: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحقّ، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، والتولِّي يومَ الزحف، وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات)).
ويدخل في ذلك ـ معاشر المسلمين ـ التنجيمُ والكهانة مما هو دَجلٌ وتخبطٌ من أجلِ أكل أموال الناس بالباطل وإدخالِ الهمّ والغمّ عليهم. هؤلاء المنجِّمون الدجّالون يستدلّون بالنجوم والكواكب وأحوالها وأبراجها ومنازلها وحركاتها واقترانها وافتراقها، يستدلون بذلك على الحوادث الأرضيّة وعلى أحوال الناس من شقاءٍ وسعادةٍ وحُظوظ، وكلُّ ذلك حرامٌ باطل، يقود بصاحبه إلى الكفر إذا اعتقد علمَ الغيب أو اعتقَد أنَّ لأحدٍ غير الله القدرةَ على التصرّف في الخلق، فذلك كلُّه كفرٌ بالله واستعانةٌ بغيرِ الله وشِركٌ به، تعالى الله عما يقول الظالمون الجاحدون المعاندون علوًّا كبيرا.
أيّها المسلمون، لقد عظُم الضرَر واشتدَّ الخطب بهؤلاء المفترين الذين يمارسون الدجل ويلبِّسون على ضعاف العقول، بالشعوذات والخرافات ووصفات العلاج الجاهلية التي تملأ الأرصفة والطرقاتِ في بعض البلدان الضعيفة والفقيرة، فمع الأسَف ما كان على هذه الأرصفة تنشره بعضُ القنوات والشاشات ليقَعَ التلبيس على الجميع كِبارًا وصغارا رجالا ونساء، فلا ينبغي الاستهانة بهذه الشعوذات الفضائيّة والوصفات الزائفة.
معاشر المسلمين، وممن يدخل في التحذير والوعيد الذين يذهبون إلى السحرة والمشعوذين ليطلُبوا منهم أن يسحَروا غيرَهم من أعدائهم أو أصدقائهم، فمن سلك هذا المسلكَ فهو ظالم لنفسِه معتدٍ أثيم، غايته الانتقامُ من أخيه المسلم، يذهب إلى الساحر ليفرِّق بين فلان وفلانة، أو يمنعَ فلانًا من الزواج بفلانة، أو أن ينفّر فلانا من أهل بيته، وفي الحديث: ((ليس منا من تطيّر أو تُطيِّر له، أو تكهن أو تُكُهِّن له، أو سَحَر أو سُحِر له)) رواه البزار بسند جيد. أين هؤلاء ألا يحذرون من عقوبةِ الله وقد جاء فيما معناه : لعَن رسول الله الساحرة والتي تسأل أن تسحرَ لها. سحر وحسد وحقد وظلم لأن فلانًا تزوّج فلانة، أو لأنّ فلانًا أنعم الله عليه بما أنعم وأعطاه ما أعطاه. فليتّق الله هؤلاء جميعا، وليستغفروا الله وليتوبوا إليه.
معاشر المسلمين، ويحرُم الذهابُ إلى هؤلاء الكَهَنة والسحرة والمشَعوذين والدجالين، ولا يجوز تصديقهم، فما أفعالهم ولا كلامُهم إلاَّ دجلٌ ورجمٌ بالغيب واستعانةٌ محرَّمةٌ بغير الله، وذلك كلّه حرامٌ في دينِ الله وكبيرةٌ من كبائر الذنوب يقود إلى الكفر والضلال، عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدَّقه بما يقول فقد كفَر ما أنزل على محمد )). قال بعض أهل العلم: إنّ من يأتي الكاهن فيسأله وإن لم يصدّقه لم تقبَل له صلاة أربعين يومًا، وإن سأله وصدّقه بما يقول فهو داخل في حديث: ((فقد كفر بما أنزل على محمد )).
نعم يا عباد الله، فليخشَ هؤلاء الذين يتعلَّقون بالسحرة والمشعوذين أن يكونَ ثمنُ ذلك دينَهم وإيمانهم، وليتفكروا فما بعثَهم على ذلك ولا دفعهم إليه إلا سوءُ ظنٍّ بربهم وخلل في عقيدتهم، وقد علموا أن السحر من عمل الشيطان.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعلموا أنّ السحرَ والكهانة والشعوذة والدجل فتنٌ تصدّ صاحبَها عن الحق وتعمي عن الهدى وتوقع في الضلال، ومن ابتُلي بها تعلّق بغير الله وابتعَد عن منهج الله وضلّ الضلال المبين. وإذا كان المرءُ حريصًا على أن يعرفَ الأمراضَ التي تؤذيه في بدنه فالأولى به مع ذلك أن يعرفَ الأمراضَ التي تضرّه في دينه وعقيدته وتقدَح في إيمانه، فأمراض العقائد والقلوب أشدُّ فتكًا وأعظم ضررُا من أمراض الأبدان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 102، 103].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الحمد لله، علّم بالقلم، وأنزل كتابه يهدي للتي هي أقوم، أحمده سبحانه وأشكره على وافر العطايا وجزيل النعم، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والكرم، وأشهَد أنّ سيدنا ونبيّنا محمدًا عبد الله ورسوله سيد العرب والعجم، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى ومصابيح الظُّلَم، والتابعين ومن تبِعهم بإحسان، وسلّم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المسلمون، إنّ طريقَ الوقاية والعلاج من كل داء بإذن الله هو طريقُ الإسلام وسبيلُ المؤمنين؛ من قوة الإيمان بالله وحسن التعلّق به وصِدق الاعتماد عليه والتوكّل واليقين، قال تعالى (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: 11]، وقال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) [الطلاق: 2]، وقال سبحانه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4].
وليحصِّن العبد نفسه بالأدعية المأثورة من كتاب الله ومن سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، بقراءة المعوّذتين وسورة الإخلاص وآية الكرسي، ويقول صباحًا ومساءً: باسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ومن قرأ آيات السحر في سورة الأعراف ويونس وطه فإنّ كتاب الله هدًى وشفاء ورحمة للمؤمنين.
عبادَ الله، إن على أهلِ العلم والصّلاح خاصّة وعموم المسلمين التناصحَ والتواصيَ بالحق والتواصي بالصبر وفشوّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان في التربية، كما يجِب متابعةُ هؤلاء المشعوِذين والإبلاغُ عنهم، وعلى ولاةِ أمور المسلمين الأخذُ على أيديهم بحزمٍ وإيقاعِ الجزاء الرادع عليهم.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وآمنوا به، واعتمدوا عليه، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
ثم صلّوا وسلّموا على نبيّكم محمد رسول الله، حيث أمركم بذلك ربكم، فقال عزّ من قائل عليما حكيما: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبيّنا محمد، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمّهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين والأئمّة المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بعفوِك وجودك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين.... واجعل اللهم هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ارزقنا القناعة بما آتيتنا ورزقتنا، اللهم وأغننا بحلالك عن حرامك، وبك عمن سواك، اللهم اجعلنا أفقر الناس إليك، وأغنى الناس بك، اللهم وفقنا لما تحب وترضى.
اللهم تب علينا توبة نصوحاً لا معصية بعدها اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله، {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق