السبت، مايو 22، 2010

خطبة وفاة العلماء

وفاة العلماء 25/7/1430هـ
أيها المسلمون:حفظ الدين أعظم مقاصد هذه الشريعة الغراء،وإن من أعظم أسباب حفظ الدين حفظه بالرجال المخلصين،والعلماء العاملين،فوجودهم في الأمة حفظ لدينها، وصون لعزتها وكرامتها،وذود عن حياضها، فإنهم الحصن الحصين، والسياج المتين، الذي يحول بين هذا الدين وأعدائه المتربصين. وإن لله - سبحانه وتعالى- الحكمة البالغة،والقدرة النافذة في كونه وخلقه، وإن مما كتبه الله -جلَّ وعلا-على خلقه الموت والفناء،يقول سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ[الرحمن:26-27].ويقول عز وجل:وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34] ويقول:كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[العنكبوت:57]ويقول جلَّ وعلا: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ[الزمر:30-31]وإن أعظم أنواع الفقد على النفوس وقعاً،وأشده على الأمة لوعة وأثراً، فقد العلماء الربانين، والأئمة المصلحين. ذلكم يا عباد الله! لأن للعلماء مكانة عظمى، ومنزلة كبرى، فهم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، والأمناء على ميراث النبوة، هم للناس شموسٌ ساطعة، وكواكب لامعة، وللأمة مصابيح دجاها، وأنوار هداها، بهم حفظ الدين وبه حفظوا، وبهم رفعت منارات الملة وبها رُفِعُوا:  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[المجادلة:11]. يحيون بكتاب الله موتى القلوب، ويبصرون به أهل العمى، ويهدون به من ضل إلى الهدى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، وما عزت الأمم، وبلغت سامق القمم، وأشيدت صروح الحضارات، وقامت الأمجاد، وتحققت الانتصارات بعد الله إلا بهم، فهم أهل خشية الله:إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وهم مادة حياة القلوب،وغذاء الأرواح، وقوت الضمائر، وزاد القرائح،ومهما صيغت النعوت والمدائح في فضائلهم فلن توفيهم حقهم.
العالم للأمة بدرها الساري، وسلسالها الجاري، لا سيما أئمة الدين، وعلماء الشريعة؛ ولذلك كان فقدهم من أعظم الرزايا، والبلية بموتهم من أعظم البلايا، وأنَّى للمدلجين في دياجير الظلمات أن يهتدوا إذا انطمست النجوم المضيئة. صح عند أحمد وغيره من حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله قال:((إنما مثل العلماء كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة )).
وحسبكم يا عباد الله! في بيان فداحة هذا الخطب،وعظيم مقدار هذه النازلة، قول المصطفى في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا )).
ويُوضح ذلك ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((تظهر الفتن، ويكثر الهرج، ويقبض العلم )) فسمعه عمر فأثره عن النبي فقال: "إن قبض العلم ليس شيئاً يُنتزع من صدور الرجال، ولكنه فناء العلماء ".ولقد أخبر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [الرعد:41] قال: "بموت علمائها وفقهائها " وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله.
عباد الله : ليست الرزية على الأمة بفقد مال، أو بموت شاة أو بعير، كلَّا ثم كلَّا، ولكن الرزية أن يفقد عالم يموت بموته جمعٌ غفير، وبشر كثير، فموت العالم ليس موت شخص واحد، ولكنه بنيان قوم يتهدم، وحضارة أمة تتهاوى. فجبر الله مصاب المسلمين في علمائهم وجعل في الخلف منهم عوضاً عن السلف ،والخير في هذه الأمة باقٍ إلى قيام الساعة، والله وحده هو المسئول أن يلهمنا رشدنا،وأن يغفر لمن مات من علمائنا، وأن يرفع في عليين منازلهم،وأن يحسن في الدارين مثوبتهم، ويجزل لهم أجرهم، ويحفظ أثرهم وآثارهم، ويرفع درجاتهم في المهديين، وأن يخلف على الأمة الإسلامية خيراً.وأن يوفق الأحياء لبيان الحق والدعوة إليه،وأن يرزقهم التسديد والتأييد، ويكتب لهم القبول ودوام النفع، ويحفظها من شرور الغير،وهول الفواجع، فلله ما أخذ،وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، والحمد لله على قضائه وقدره، وهو وحده المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

الحمد لله العظيم في قدره،العزيز في قهره،العليم بحال العبد في سِرِّه وجهرِهِ،أحمدُهُ على القدر خيره وشره،وأشكره على القضاء حلوه ومُرِّه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الآيات الباهرةوَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،بعثه بالهدى ودين الحق،ليظهره على الدين كله،فضمن له نصره،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سارعلى نهجهم وترسم خطاهم،فلم يتجاوزوا نهيه،واتبعوا أمره0أما بعد، فيا أيها الإخوة الكرام،أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ومراقبته في الظاهر والباطن، واعلموا وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم 0 أيها المسلمون:وإن مما يعزي نفوس أهل الإسلام في فقد علمائهم والأسى على فراقهم؛ أن الله سبحانه بفضله ورحمته قد حفظ على هذه الأمة دينها، وحفظ لها كتابها، فالفضل الإلهي والفيض الرباني ليس مقصوراً على بعض العباد دون بعض، ولا محصوراً في زمن دون زمن، فلا يخلو زمن وعصر من علماء يقيمهم في كل فترة من الزمن، أئمة عدولاً من كل خلف، أمناء مخلصين، علماء مصلحين، بصراء ناصحين.. ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، يدعون إلى الهدى، ويذبون عن الحمى، ويصبرون على الأذى.. فيجب أن لا نفقد الأمل بالله عز وجل، فالذي أخرج لنا العالم الفلاني سيخرج لنا مثله أو أفضل منه، وما ذلك على الله بعزيز
فنسأل الله أن يتغمَّد أئمَّتنا العلماء برحمته، وأن يُلحقهم بالرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن لا يَفتننا بعدهم، ولا يَحرمنا أجرهم.، فهذه الأمة أمة ولود، والخير باق فيها إلى يوم القيامة، أمة الغيث لا يُدرى خيره أوله أم آخره، ولن نكون نحن أغير على الدين والملة من الله عز وجل، فهذا دينه،وهذه شريعته فليس حفظ دين الله مقصوراً على حفظه في بطون الصحف والكتب، ولكنه بإيجاد من يبين للناس في كل وقت وعند كل حاجة، فالله سبحانه له المنة والفضل، يتفضل على الخلف كما تفضل على السلف.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق